اخبار

التجربة النرويجية.. مصر أمام فرصة لبناء منظومة كروية جديدة

التجربة النرويجية في تطوير كرة القدم تقدم لمصر نموذجاً استثنائياً يستحق الدراسة بعناية. فبعد الخروج المشرف أمام الأرجنتين في دور الـ16 من كأس العالم 2026، بات السؤال الأهم: كيف نحافظ على هذا التطور؟

قدم المنتخب المصري واحدة من أفضل مشاركاته العالمية في السنوات الأخيرة. نجح الفراعنة في تجاوز دور المجموعات وفرضوا أنفسهم منافساً صعباً أمام أبرز المرشحين للقب.

التجربة النرويجية ومنظومة صناعة النجوم

لا يتجاوز عدد سكان النرويج خمسة ملايين ونصف المليون نسمة. ورغم غيابها عن المونديال منذ 1998، تحولت إلى قوة كروية كبرى بعد إطاحتها بالبرازيل وبلوغ ربع النهائي.

لم يبدأ هذا النجاح مع إيرلينج هالاند أو مارتن أوديجارد، بل قبل ظهورهما بسنوات طويلة. اعتمدت الكرة النرويجية على مشروع طويل الأمد يضمن إنتاج النجوم باستمرار.

العشب الصناعي وثورة الملاعب

كان الاستثمار في الملاعب نقطة التحول الحقيقية في التجربة النرويجية. بين عامي 2000 و2010 بدأت النرويج خطة واسعة لإنشاء ملاعب ذات عشب صناعي بمختلف المدن والقرى.

وخلال الفترة بين 2016 و2025 وحدها، أُنشئ 539 ملعباً جديداً، مع تجديد 586 ملعباً آخر. بات بإمكان الأطفال اللعب يومياً بظروف مثالية بغض النظر عن الثلوج.

يرى هاكون جروت لاند، رئيس قسم تطوير اللاعبين بالاتحاد النرويجي، أن هذا القرار غيّر كل شيء. تحولت كرة القدم من رياضة صيفية إلى لعبة تُمارس طوال العام بأفضل الظروف.

درس للكرة المصرية في تطوير القواعد

رغم اختلاف الظروف، تواجه مصر مشكلة لا تقل تأثيراً عن ثلوج النرويج. فجودة الملاعب متفاوتة بشدة خارج المدن الكبرى، والمواهب في المحافظات تفتقر لبيئة تدريب متطورة.

النجاح النرويجي لم يبدأ بالمدرب الأجنبي أو اللاعب المحترف، بل بتوفير ملعب جيد يتدرب عليه الطفل يومياً. الاستثمار في الملاعب مشروع لصناعة اللاعبين وليس مجرد مشروع إنشائي.

توحيد فلسفة العمل والمدربين

شهدت الفترة بين 2010 و2020 ما وصفه مسؤولو الاتحاد النرويجي بـ”ثورة التدريب”. لم يقصدوا استقدام أسماء عالمية، بل إنشاء منظومة تعليمية موحدة لتأهيل المدربين في جميع أنحاء البلاد.

يتلقى الطفل في قرية شمال النرويج المبادئ ذاتها التي يحصل عليها لاعب في أوسلو. جميع المدربين يعملون وفق فلسفة واحدة تضع تطوير اللاعب قبل الفوز بالمباريات.

مدرسة المنتخبات الوطنية

بعد إخفاق التأهل ليورو 2012، وُلد برنامج “مدرسة المنتخبات الوطنية” عام 2013. يمثل شبكة وطنية تربط أندية القواعد بالأندية الكبرى والاتحاد وفق معايير موحدة.

من بين لاعبي الفوز التاريخي على البرازيل، سبق لـ14 لاعباً تمثيل منتخبات الشباب. وانضم 11 منهم للبرنامج منذ مرحلتي تحت 15 أو تحت 16 عاماً.

أندية القواعد والصبر في تكوين المواهب

لا تؤمن التجربة النرويجية بـ”اللاعب المعجزة” في سن الثامنة أو التاسعة. يبقى اللاعب في ناديه المحلي حتى الثانية عشرة، لمنحه الوقت الكافي للنمو بدنياً وفنياً ونفسياً.

حتى هالاند لم يكن الأفضل في فئته عند انضمامه لمعسكرات الناشئين في الرابعة عشرة. يرفض الاتحاد النرويجي إصدار أحكام مبكرة، ويستهدف إنتاج أفضل لاعب عند الـ22 أو الـ23.

أوضحت مصادر إعلامية أن أوديجارد غيّر فلسفة الاتحاد بأكملها. أصبحت الشخصية والانضباط والرغبة في التعلم عناصر رئيسية في تقييم اللاعبين بجانب المهارات الفنية.

خريطة طريق لكرة مصرية مستدامة

تتلخص الدروس النرويجية في عدة محاور رئيسية لتطوير الكرة المصرية. تطوير الملاعب في كل المحافظات، وبرنامج وطني موحد لتأهيل المدربين، وإعادة تنظيم مسابقات الناشئين.

كما تشمل توسيع اكتشاف المواهب عبر مراكز الشباب والمدارس وربطها بالاتحاد. ووضع معايير تقييم تشمل الانضباط والشخصية، وخطة لزيادة المحترفين في الدوريات الأوروبية.

رغم الخسارة أمام الأرجنتين، حمل مونديال 2026 مؤشرات إيجابية للكرة المصرية. القاعدة موجودة والإمكانات متوفرة، لكن المطلوب عقلية التخطيط طويل المدى بعيداً عن ردود الفعل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى