البرازيل وجفاف الـ24 عاماً: البحث عن هوية كروية
الانتظار الطويل لعودة البرازيل إلى منصة التتويج يعبر عن فجوة حقيقية بين أمجاد الماضي والحاضر: 24 عاماً بدون لقب عالمي، والجفاف هذه المرة يرافقه أزمة هوية كروية عميقة.
جفاف ممتد: ماذا تعني 24 عاماً؟
الفترة الحالية تماثل من حيث المدة جفاف البرازيل بين 1970 و1994، لكنها تختلف جذرياً في طبيعتها. النسخ الخمس الأخيرة من كأس العالم شهدت غياب «السيليساو» عن منصات التتويج، ومع كأس العالم 2026 تقف البرازيل عند مفترق طريق: إما استعادة النجمة السادسة أو تمديد أسوأ فترات الغياب عن اللقب في تاريخها.
التاريخ يذكر أن البرازيل لم تعش سابقاً فترة طويلة كهذه دون إحراز لقب عالمي منذ انطلاقة البطولة، لكن ما يميز هذه الحقبة الحالية هو أن الخسائر لم تقتصر على النتائج فقط، بل طالت صورة المنتخب ونمط لعبه وهويته أمام العالم.
أسباب الأزمة: انتقال المواهب وتراجع الهوية الجماعية
واحدة من أهم نقاط التحول كانت بعد حكم بوسمان (1995) الذي سهّل انتقال لاعبي أمريكا الجنوبية إلى أوروبا. هذا الواقع جعل نجوم البرازيل يقضون سنوات ذروتهم خارج البطولة المحلية، ما أثر في تكوين هوية جماعية متماسكة داخل المنتخب.
منذ منتصف العقد الأول من الألفية الحالية شهدت البرازيل تغيّرات تكتيكية وإدارية مستمرة، وصراعات داخلية، وتبدلات في المدربين، بالإضافة إلى فضائح إدارية أثرت على الاستقرار. تلك العوامل مجتمعة أدت إلى تآكل الصورة التقليدية لكرة القدم البرازيلية المبهرة، واستبدالها بنمط أكثر اعتمادية على الصلابة البدنية دون نفس القدر من الإبداع.
نيمار وأزمة القيادة الفردية
تشكيل المنتخب على مدار العقدين الماضيين مرّ بتجربة واضحة: فريق «نيمار و10 آخرون». حمل نيمار عبء التوقعات الإعلامية والشعبية بعد تلاشي أجيال سابقة من النجوم مثل رونالدينيو وكاكا وأدريانو، لكنه لم يمتلك دائماً عناصر الدعم القيادية والمتسقة حوله.
أحداث مثل الهزيمة الساحقة أمام ألمانيا 7-1 في نصف نهائي مونديال 2014، وترنح نيمار بين التألق والإصابات، عززت الشعور بأن المنتخب فقد هويته الجماعية، وأضحى النجاح يعتمد بشكل مفرط على أداء نجم واحد. حتى عندما قدم نيمار أداء قوياً في بطولات لاحقة، لم ينعكس ذلك على تحقيق لقب عالمي يخفف من وطأة هذا الفراغ القيادي.
الواقع أن البرازيل ما زالت تملك موهبة وفترة زمنية كافية لإعادة بناء مشروع ناجح قبل مونديال 2026، لكن ذلك يتطلب رؤية استراتيجية للمنتخب، دمج نجوم شابة مع تجربة ناضجة، وعودة إلى أسلوب اللعب الذي يوازن بين الانضباط واللمسة البرازيلية المميزة.
في الختام، ستحدد النسخة القادمة من كأس العالم في 2026 مسار جولة جديدة في تاريخ البرازيل: إما استعادة مجد النجمة السادسة، أو تسجيل فصل آخر في مسيرة بحثها المستمر عن هويتها الكروية.




