ميراليم بيانيتش.. منقذته الكرة إلى وداع هادئ
أعلن النجم البوسني ميراليم بيانيتش، من قلب دبي، اعتزال كرة القدم رسمياً بعد محطته الأخيرة مع سيسكا موسكو، قائلاً في تصريحات لتوتوسبورت: “لن ألعب مجدداً.. لقد أنهيت مسيرتي.. أنا الآن مجرد أب، وتلك هي أولويتي القصوى”. رحل لاعب صنع لنفسه اسماً في الملاعب بلقب “عازف البيانو” بفضل لمساته الهادئة ودقته الفنية، تاركاً مسيرة حافلة بالتقنية واللحظات اللافتة.
كرة القدم أنقذته من الحرب وفتحت له الأبواب
لم تكن كرة القدم مجرد مهنة لعائلة بيانيتش، بل كانت سبب بقائهم على قيد الحياة. قبل اندلاع الحرب في البوسنة، حصل والده فخر الدين على عقدٍ مع نادي شيفلانج 95 في لوكسمبورج، وهو ما منح العائلة وثائق الخروج في التوقيت الحاسم قبل إغلاق الحدود. هذا العقد البسيط مثل نقطة انطلاق لعائلة هربت من الصراع، لتتحول اللعبة لاحقاً إلى طريق ميراليم نحو الشهرة الأوروبية.
بدأت موهبة بيانيتش تلفت الأنظار منذ الناشئين، وفي 2006 كتب فصلًا مميزًا حينما سجل رباعية في شباك بلجيكا تحت 17 عاماً بلباس منتخب لوكسمبورج، في مباراة انتهت بالتعادل 5-5، وصنع خلالها هدفاً آخر، ما وضعه تحت أنظار كشافي أوروبا ومهد الطريق لمستقبل احترافي.
الوفاء للوطن: رفض فرنسا واختيار البوسنة
رغم حصوله على جنسية دولٍ مختلفة وفرص تمثيل منتخبات أكبر، رفض بيانيتش عرض الانضمام لمنتخب فرنسا عندما تألق مع ميتز بعمر 18 عاماً، مؤكداً أن حلمه سماع نشيد البوسنة فقط. خاض معركة بيروقراطية طويلة مع الفيفا لتحويل أهليته من لوكسمبورج إلى البوسنة والهرسك، وما أن وصلت الموافقة حتى انفجر بالبكاء مع والده، مختاراً نداء القلب على المسارات الأسهل.
اختياره أثمر في النهاية، إذ كان من عناصر منتخب البوسنة التي ساهمت في تحقيق إنجازات تاريخية، من بينها التأهل لكأس العالم 2014، ليثبت أن قراره لم يكن مبنياً على طموح شخصي فحسب بل على حب الوطن وترابط العائلة.
تكنيك الركلات الحرة، لحظات المجد والجدل المالي
تُعد تجربة بيانيتش في ليون نقطة انطلاق لصقل مهاراته في الكرات الثابتة، حيث تدرب قبل موسم 2008-2009 مع الأسطورة البرازيلية جونينيو، وبقي بعد الحصص لمراقبة تقنيته والتدريب إلى جانبه. هذا الإصرار منحه أدوات تنفيذ متنوعة ودقة رائعة في الركلات الحرة، ما جعله خليفةً شرعياً لجونينيو وسجل أكثر من 20 هدفاً من هذا النوع في مسيرته، حتى إن الأخير أشاد به علناً ووصفه بأحد أفضل المسددين آنذاك.
على صعيد الأندية، شهدت مسيرة بيانيتش لحظات مؤثرة؛ كان هدفه القاتل لليون في مرمى ريال مدريد في سانتياغو برنابيو من أبرزها، إذ حرم فريق الطفولة من التأهل بدوري الأبطال، ما يعكس قدرته على الفصل بين العاطفة والموقف التنافسي.
أما خارج الملعب فكانت له تجارب شخصية أيضاً، من بينها خضوعه لعملية زراعة شعر في عيادة ترتبط بصديقه كريستيانو رونالدو، ومشاركته كوجهٍ غير رسمي للترويج للخدمة.
ولم تخلُ مسيرته من الجدل المالي؛ رحيله عن يوفنتوس وارتباط اسمه بصفقة تبادلية مع برشلونة شابتها اتهامات بالتلاعب المحاسبي بين الناديين، إذ اعتُبرت الأرقام المتداولة جزءاً من هندسة مالية لتجميل الدفاتر، وانتهى الأمر بأن الطرفين لم يحصلا على المكاسب الفنية المتوقعة، بل تحول اللاعبان إلى حالات إعارة وجلوس على مقاعد البدلاء.
يودع بيانيتش الملاعب مسافراً بسيرة تجمع بين تفاصيل إنسانية مؤثرة، مهارات فنية وأحداث مالية مثيرة للجدل، ليبدأ مرحلة جديدة تضع العائلة والأبوة في مقدمة أولوياته.




