ميسي بين العقل والقلب: قرارات صنعت مسيرته
ليونيل ميسي أسطورة كرة قدم لا تنكر إنجازاته، لكنه لم يخلُ مسيرته من قرارات أثارت الجدل وأوقفتها لحظات من التخبط بين العاطفة والمنطق. الأخطاء جزء من الطبيعة البشرية، والفارق الحقيقي يكمن في كيفية التعامل معها والتعلّم منها.
اعتزال دولي ثم تراجع: درس في المسؤولية القيادية
أحد أبرز قرارات ميسي المثيرة كان إعلانه الاعتزال الدولي بعد نهائي كوبا أمريكا 2016 عقب خسارة بضربات الجزاء أمام تشيلي، وهو القرار الذي أعلنه متأثرًا بحالة نفسيةٍ صعبة بعد إهدار ركلة جزاء. تراجع ميسي عن قراره بعد حوالي 47 يومًا فقط إثر حملة شعبية وتدخلات رسمية، واعترف لاحقًا بالندم لأن جيلًا من لاعبي الأرجنتين كان يعتمد عليه للعودة إلى منصات التتويج.
بعد العودة، تغيّرت ملامح قيادته مع منتخب الأرجنتين، وبدأ في كتابة فصول جديدة من النجاح بتتويجات أبرزها كأس العالم 2022 وكوبا أمريكا، مما يجعل قضية الاعتزال مثالًا عن «خطأ تحوّل إلى قرار إيجابي» عبر التعلّم والنضج.
أزمة التهرب الضريبي: مواجهة المسؤولية المهنية
في 2016 واجه ميسي أزمة قانونية في إسبانيا متعلقة بالتهرب من دفع ضرائب عن حقوق الصور، وقد أدت إلى حكم بالسجن مع وقف التنفيذ وغرامات مالية. القصة كشفت أن الاعتماد الكامل على طرف ثالث لإدارة الأمور المالية (خاصةً الأسرة والمستشارين) قد يأتي بتبعات كبيرة عندما لا تتوافق الإجراءات مع القوانين المحلية.
من تلك التجربة، أكد ميسي لاحقًا أنه صار أكثر حرصًا ودقّة في متابعة أعماله وإدارة حقوقه بنفسه، ما يبيّن كيف يمكن لأزمة أن تحفّز تغييرًا إيجابيًا في السلوك المهني.
صراعات داخل برشلونة وفترة باريس: بين الولاء والعواقب
شهدت فترة ميسي في برشلونة عشرات المشاهد الإدارية والداخلية التي أثّرت على مسار النادي واللاعب؛ من خلافات مع زملاء داخل الملعب إلى تراجع الصراحة في مواجهة سياسات الإدارة السابقة تحت رئاسة جوسيب ماريا بارتوميو. حدثت خلافات بارزة مثل التوتر مع جيرارد بيكيه حول اتفاقات تخفيض الرواتب، وصولًا إلى واقعة «البروفاكس» في 2020 عندما طالب ميسي بفسخ عقده من أجل الضغط على الإدارة إعلاميًا.
هذه التصرفات حملت رسائل متباينة: من جهة أعطت ميسي صوتًا ضد سياسات اعتُبرت ضارة بالنادي، ومن جهة أخرى حولت النزاع إلى مشهد علني أضر بعلاقة الأسطورة بناديه وجماهيره. كما شكّلت انتقالاته اللاحقة إلى باريس سان جيرمان (صيف 2021) فصلًا آخر من الصعوبات؛ إذ واجه ميسي تحديات في التأقلم مع بيئة جديدة وإدارة الضغط الجماهيري والإعلامي بطريقة لم تكن دائمًا مثالية.
كذلك ظهرت قرارات شخصية أخرى مثيرة للجدل، مثل التمسك ببقاء بعض الأصدقاء والزملاء في لحظات تراجعهم الفني، أو عدم خوض تجربة مبكرة في الدوري الإنجليزي رغم الفرص المتاحة، وهي قرارات يقف الجمهور عندها منقسمًا بين العاطفة والتقييم المهني.
الخلاصة أن ميسي، كغيره من النجوم، اتخذ قرارات صائبة وأخرى أقل ملاءمة. الفارق يكمن في قدرته على التعلّم من الأخطاء وتحويلها إلى وقود للحفاظ على مكانته وتألقه المستمر. إنّ تاريخ ميسي لا يُقاس فقط بلحظات التخبط، بل أيضًا بكيفية تجاوبه معها وتحويلها إلى مراحل نضج جديدة.




